منتدى الأستاذ : أيمن عرفان

منتدى إسلامي تربوي ثقافي شامل يناقش القضايا الدينية والتربوية المختلفة ، ويجمع خطب ودروس ومقالات الأستاذ: أيمن عرفان.
 
الرئيسيةالرئيسية  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 018- أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 51
تاريخ التسجيل : 21/09/2010

مُساهمةموضوع: 018- أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ   الإثنين يناير 09, 2017 4:40 am

- أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ
سورة الشرح من السور التي جاء فيها الخطاب مباشر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بكاف الخطاب، يذكره الله عز وجل فيها ببعض نعمه عليه، وهي من السور التي تفتح لنا باب التأمل في كلام الله عز وجل على مصراعيه، فكل آية من آياتها تحتاج إلى خطبة كاملة، ولذلك فقد أحببت أن أعيش معكم اليوم بمشيئة الله عز وجل في رحاب الآية الأولى من سورة الشرح، ألا وهي قول الله عز وجل، أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ.
الآية جاءت في صيغة استفهام، وهذا الاستفهام للتقرير بمعنى لقد شرحنا لك صدرك يا محمد صلى الله عيه وسلم، ولكن ماذا تعني كلمة الشرح، كلمة الشرح في اللغة تأتي على معان متعددة، فتأتي مثلا ويراد بها قطع اللحم عن العضو والقطعة منه شريحة، وتأتي الكلمة لتعبر عن التوضيح والكشف شَرَحْتُ الغامِضَ إِذا فَسَّرْته، ومن ضمن معاني كلمة الشرح التوسعة، وهذا هو المعنى المقصود في الآية، ألم نشرح لك صدرك أي ألم نوسع لك صدرك يا محمد، وهذه الكلمة نحن نستخدمها في حياتنا اليومية، تقول فلان واسع الصدر يعني لديه القدرة على تحمل أخطاء الآخرين لا يغضب بسرعة وهكذا، وتقول فلان ضيق الصدر يعني أنه سريع الغضب لا يتحمل كلمة من أحد وهكذا، فمن ضمن النعم والعطايا التي يمن بها ربنا تبارك وتعالى على حبيبه أنه جعله واسع الصدر، ألم نشرح لك صدرك يا محمد حتى جعلنا صدرك يتسع للعلوم المختلفة والحكم والهدى ونور الإيمان، ألم نشرح لك صدرك يا محمد حتى يتيسر له تلقي ما يوحى إليك من جبريل عليه السلام، ألم نشرح لك صدرك يا محمد حتى يتسع لعالمي الغيب والشهادة، ألم نشرح لك صدرك يا محمد حتى يجمع بين ملكتي الاستفادة والإفادة.
بل أنك تتعجب حينما تجد أن موضوع انشراح الصدر الذي هو أمر معنوي، قد جعله الله عز وجل لحبيبه في صورة حسية خصوصية لرسول الله، ليدلك على أن قلب النبي صلى الله عليه وسلم قد تمت معالجته وتوسعته معالجة مخصوصة فكان انشراح صدره انشراحا مخصوصا لم يكن لغيره، فقد أثبتت كتب الصحاح أنه قد حدث للنبي صلى الله عليه وسلم ما يسمى بحادثة شق الصدر، تنزل الملائكة وتشق صدر النبي صلى الله عليه وسلم فعلا ويتم تطهيره من حظ الشيطان مرة، ويتم غسله بماء زمزم مرة ويتم حشوه حكمة وإيمانا، فبانشراح الصدر تمكن النبي صلى الله عليه وسلم من تحمل أعباء الدعوة، وتمكن من تلقي الوحي، وتمكن من رحلة الإسراء والمعراج التي تحتاج إلى قلب مخصوص ليتعامل مع عالم الغيب كما يتعامل مع عالم الشهادة.
وهذا يلفت انتباهنا إلى نقطة أخرى، وهي أن الله عز وجل في كثير من الآيات يربط ما بين انشراح الصدر وبين الدين، ويجعل من انشراح الصدر أمرا مطلوبا لقبول الدين وأمرا مطلوبا لإبلاغ الدين، فأما أهمية انشراح الصدر في قبول الدين فتتضح جلية في قول الله عز وجل: {فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء}[الأنعام 125]. فالذي يريد الله عز وجل له الهداية يوسع الله عز وجل له صدره حتى يتسع لتعاليم وعقائد ومفاهيم الإسلام، يشرح صدره للإسلام فيقبل الإسلام دينا ومنهجا، والذي حرم من نعمة الهداية فضل والعياذ بالله ماذا يكون السبب؟ السبب هو أن الله عز وجل قد جعل صدره ضيقا فلم يتسع لأحكام الإسلام وعقائده، حرجا والحرج هو شدة الضيق، بل أن الله عز وجل قد ضرب لهذا الضال مثلا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء أي أن هذا الذي ينفر من الإسلام والإيمان عليه ثقيل كمثل الذي كلف بالصعود إلى السماء وهو لا يقدر عليه، ومن ذلك يتضح كيف أن انشراح الصدر مطلوب لقبول الدين.
وكذلك انشراح الصدر مطلوب لتبليغ الدين، ولعله تستوقفنا لمحة دعوية بسيطة مع موسى عليه السلام، حينما أمره ربه أن يتوجه إلى فرعون وأن يدعوه إلى دين الله عز وجل، توجه موسى إلى ربه بالدعاء يطلب منه الأشياء التي ستعينه على هذه المهمة الدعوية الصعبة، فماذا قال؟: { قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي} [طه 25 – 30]. نعم طلب تيسير الأمر، وطلب الفصاحة والبلاغة والتثبيت في القول وهذا من متطلبات الداعية، وطلب العون والمؤازرة متمثلة في هارون، ولكنه قبل هذا كله ماذا طلب، طلب انشراح الصدر، فأول ما يحتاج إليه الداعي إلى الله انشراح الصدر.
إذا فانشراح الصدر من الأمور التي يحرص المسلم على تحصيلها، وهنا يظهر سؤالان: السؤال الأول كيف أعرف أنني ممن انشرحت صدورهم أم لا؟ والسؤال الثاني كيف أتمكن من الوصول إلى انشراح الصدر.
فأما عن السؤال الأول، وهو: كيف أعرف أنني ممن انشرحت صدورهم أم لا؟ فاعلم أن لانشراح الصدر علامات، إذا وجدتها في نفسك فأنت ممن شرح الله صدره. قال العلماء أن القلب إذا انشرح امتلأ بأنوار الإيمان ، فرأى الأمور على حقيقتها، ورأى الدنيا على حقيقتها وأنها زائلة، ورأى الآخرة على حقيقتها وأنها هي الباقية، فيؤدي به ذلك إلى ثلاثة أمور: الانابة إلى دار الخلود فيقبل على الآخرة والعمل لها فهي دار البقاء، والتجافي عن دار الغرور فيخرج الدنيا من قلبه ويقبل منها بالقليل ، والاستعداد للموت قبل نزول الموت لأنه علم أن الموت قادم.
فإذا نظرت في نفسك ووجدت أن عندك تقصير ، وأردت أن تتحصل على انشراح الصدر فماذا تفعل؟
(1) أول علاج من علاجات ضيق الصدر علمه ربنا تبارك وتعالى لحبيبه صلى الله عليه وسلم، ففي بداية الدعوة حينما كان النبي صلى الله عليه وسلم في مكة وبدأ يدعو الناس إلى ترك عبادة الأصنام وإلى عبادة الله وحده، بدأ المشركون يسخرون منه ويسبونه ويتعرضون له بالإيذاء ويتهمونه بالكذب مرة وبالسحر مرة، حتى ضاق صدر النبي صلى الله عليه وسلم من أفعالهم هذه، فنزل العلاج الإلهي لضيق الصدر، نزل قول الله عز وجل: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر 97-99]. فأول علاج لضيق الصدر هو ذكر الله عز وجل، وبالأخص التسبيح والحمد، وقال بعض العلماء ويقصد بها هنا الصلاة، ولذلك أعقبها بقوله تعالى وكن من الساجدين، ولا يخفى عليك أهمية السجود فأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، ولذلك نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم طيلة حياته قد التزم بهذا العلاج، وفي سنن أبي داود بإسناد حسن عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: (كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلَّى). أي: إذا أهمه و أغمه.
(2) العلاج الثاني لضيق الصدر هو الدعاء. لماذا؟ انشراح الصدر بيد من؟ بيد الله عز وجل هو سبحانه الذي يشرح الصدور، فإذا كان انشراح الصدر بيد الله فما عليك إلا أن تتوجه إلى الله بالدعاء حتى يمن عليك بانشراح الصدر. ولعل الواحد منا يتأكد له ذلك عندما يسمع قصص التائبين إلى الله عز وجل، كثيرا ما تجد إنسان كان يعيش حياة المعصية والرذيلة ، لم يدع ذنبا إلا ارتكبه، لم يدع خطيئة إلا وقع فيها، ثم فجأة جاءته هذه اللحظة التي يسميها العلماء باللحظة الفارقة، فيترك هذا كله وراء ظهره، ويتوب إلى الله عز وجل، ويقبل على الطاعات والعبادات، هذه النقلة العظيمة، من الذي فعلها؟ إنه الله الذي شرح صدره، فاسأل الله أن يمن عليك بمثلها.
(3) من أنجح السبل التي تؤدي إلى انشراح الصدر، الأمل في الله، معايشة قول الله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر 53]. إحساس الإنسان أن له رب كريم عفو غفور، كلما غلبته نفسه أو استهواه شيطانه فلا يغلق باب الرجوع إلى الله، روى الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (إِنَّ عَبْدًا أَصَابَ ذَنْبًا -وَرُبَّمَا قَالَ أَذْنَبَ ذَنْبًا-، فَقَالَ: رَبِّ أَذْنَبْتُ -وَرُبَّمَا قَالَ أَصَبْتُ- فَاغْفِرْ لِي. فَقَالَ رَبُّهُ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، غَفَرْتُ لِعَبْدِي. ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَصَابَ ذَنْبًا -أَوْ أَذْنَبَ ذَنْبًا- فَقَالَ: رَبِّ أَذْنَبْتُ -أَوْ أَصَبْتُ- آخَرَ فَاغْفِرْهُ. فَقَالَ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، غَفَرْتُ لِعَبْدِي. ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا -وَرُبَّمَا قَالَ أَصَابَ ذَنْبًا- قَالَ قَالَ: رَبِّ أَصَبْتُ -أَوْ قَالَ أَذْنَبْتُ- آخَرَ فَاغْفِرْهُ لِي. فَقَالَ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ غَفَرْتُ لِعَبْدِي ثَلَاثًا، فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ). بالله عليك كيف يضيق صدرك وأنت تسمع هذا الحديث.
(4) من أنجح السبل التي تؤدي بنا إلى انشراح الصدر أن تقتدي بنماذج ممن شرح الله صدورهم، ترى كيف كانت أحوالهم، تقلدهم وتعيش مثلهم، ويحضرني الآن نموذجان، النموذج الأول نموذج مؤمن أصحاب القرية، ذلك الذي قال فيه ربنا تبارك وتعالى: {وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ} [يس 20]. تخيل رجل يشتد في العدو يأتي مناديا صائحا يطلب من الناس ماذا؟ اتباع الرسل، الفرح بالدعوة إلى الله، المسارعة في الخيرات، السرور بأن تكون مطيعا وأن تطوع الناس لله رب العالمين، هذا هو حال المنشرحة صدورهم، النموذج الثاني نموذج موسى عليه السلام حينما اشتد شوق الكليم إلى سماع كلام ربه، فإذا به يترك الدنيا كلها وراء ظهره ويذهب للقاء ربه قائلا: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} [طه 84]. وهكذا حال المنشرحة صدورهم يتركون الدنيا وراء ظهورهم ويقبلون على طاعة الله بشوق وبلهفة لرضا المحبوب جل وعلا.
(5) من أهم الأسباب التي تؤدي إلى انشراح الصدر أن يكون الدين لنا صبغة وليس طلاءًا، الطلاء طبقة خارجية، يميزها أمران، أولا أنه يسهل إزالتها، ثانيا أن ما تحتها لا يتأثر بها، أما الصبغة فتختلط بالأنسجة والخلايا فلا يمكن فصلها عن الشيء المصبوغ وتترك أثرها الواضح عليه، كالفارق مثلا بين طلاء الأظافر الذي هو طلاء، وبين الحناء التي هي صبغة، إذا أردت أن ينشرح صدرك ينبغي أن يكون الدين بالنسبة لك صبغة وليس طلاءًا، هذه الصبغة التي قال الله عز وجل عنها: {صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ} [البقرة138]. فإذا ما اصطبغت بهذه الصبغة الإيمانية وجدت أن حياتك كلها في رحاب الله، تصبح حياتك حياة إيمانية، يختلط الإيمان بلحمك وعظامك ويسير مع دمك إلى أن يصل إلى القلب فينشرح الصدر، فإذا ما حدث ذلك هيمن الدين على حياتك كلها فتحققت بقوله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام 162].
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://3erfan.ibda3.org
 
018- أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الأستاذ : أيمن عرفان :: خطب ودروس الأستاذ أيمن عرفان :: خطبة الجمعة-
انتقل الى: