منتدى الأستاذ : أيمن عرفان

منتدى إسلامي تربوي ثقافي شامل يناقش القضايا الدينية والتربوية المختلفة ، ويجمع خطب ودروس ومقالات الأستاذ: أيمن عرفان.
 
الرئيسيةالرئيسية  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 010- التحذير من الفتن

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 52
تاريخ التسجيل : 21/09/2010

مُساهمةموضوع: 010- التحذير من الفتن   الإثنين يناير 09, 2017 3:49 am

– التحذير من الفتن
في كثير من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ستجد أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يحدث كذا وكذا"، أو يقول: "يأتي على الناس زمان يحدث كذا وكذا"، أو يقول: "إن بين يدي الساعة كذا وكذا"، مثل هذه الأحاديث يمكن أن نعتبرها بمثابة تحذيرات يحذر فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته من أزمنة ومن أحداث ستحدث قبل يوم القيامة، يوضح لنا كيف سيكون حال الناس في هذه الأزمنة، حتى لا نفاجأ إذا شاهدنا مثل هذه الأمور تحدث، وحتى ننتبه إلى ما يمكن أن يوجد من أخطاء وزلات وفتن في هذه الأزمنة فلا نقع فيها، لذلك سيكون لنا بمشيئة الله عز وجل عدة لقاءات تحت عنوان {بين يدي الساعة}، نذكر فيها بعضا من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي تبين لنا ماذا سيحدث قبل أن تقوم الساعة.
أول وأهم شيء يحذر منه النبي صلى الله عليه وسلم أنه سيكون بين يدي الساعة فتنا شديدة لا ينجو منها إلا من أراد الله عز وجل له النجاة، روى الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ). فالنبي صلى الله عليه وسلم يخبرنا أنه قبل أن تقوم الساعة سيأتي زمان يتمنى فيه الإنسان الموت ويحسد أصحاب القبور على قبورهم، كل هذا بسبب ماذا؟ بسبب شدة الفتن التي يتعرض لها الإنسان، فَتَمَنِّي الْمَوْت عِنْدَ ظُهُور الْفِتَن إِنَّمَا هُوَ خَوْف ذَهَاب الدِّين بِغَلَبَةِ الْبَاطِل وَأَهْله وَظُهُور الْمَعَاصِي وَالْمُنْكَر.
بدايةً نبين: ما المقصود بكلمة "فتنة"؟ كلمة فتنة في الأصل تطلق على إدخال الذهب في النار لتظهر جودته من رداءته أي لاختبار الذهب، ثم استخدمت الكلمة بعد ذلك لتدل على اختبار البشر، وتعددت استخدامات الكلمة فهي تطلق ويراد بها الاختبار أو الابتلاء أو الإمتحان ، وقد يراد بها الإعجاب بالشيء، وقد يراد بها الضلال أو الكفر، وقد يراد بها الاضطراب وبلبلة الأفكار، وقد سئل الصحابي الجليل أبو الدرداء: أي الفتنة أشد؟ فقال: أن يُعْرَض عليك الأمران فلا تدري أيهما تختار. وقد يراد بالفتنة المكروه عموماً.
روى الإمام مسلم في صحيحه عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ فَقَالَ: أَيُّكُمْ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ الْفِتَنَ؟ فَقَالَ قَوْمٌ: نَحْنُ سَمِعْنَاهُ. فَقَالَ: لَعَلَّكُمْ تَعْنُونَ فِتْنَةَ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَجَارِهِ؟ قَالُوا: أَجَلْ. قَالَ: تِلْكَ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ، وَفِتْنَة الرَّجُل فِي أَهْله ، وَمَاله ، وَوَلَده ضُرُوب مِنْ فَرْط مَحَبَّته لَهُمْ ، وَشُحّه عَلَيْهِمْ ، وَشُغْله بِهِمْ عَنْ كَثِير مِنْ الْخَيْر ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { إِنَّمَا أَمْوَالكُمْ وَأَوْلَادكُمْ فِتْنَة } أَوْ لِتَفْرِيطِهِ بِمَا يَلْزَم مِنْ الْقِيَام بِحُقُوقِهِمْ وَتَأْدِيبهمْ وَتَعْلِيمهمْ فَإِنَّهُ رَاعٍ لَهُمْ وَمَسْئُول عَنْ رَعِيَّته وَكَذَلِكَ فِتْنَة الرَّجُل فِي جَاره مِنْ هَذَا فَهَذِهِ كُلّهَا فِتَن تَقْتَضِي الْمُحَاسَبَة ، وَمِنْهَا ذُنُوب يُرْجَى تَكْفِيرهَا بِالْحَسَنَاتِ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { إِنَّ الْحَسَنَات يُذْهِبْنَ السَّيِّئَات } . وَلَكِنْ أَيُّكُمْ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ الْفِتَنَ الَّتِي تَمُوجُ مَوْجَ الْبَحْرِ؟ أَيْ تَضْرِب وَيَدْفَع بَعْضهَا بَعْضًا . وَشَبَّهَهَا بِمَوْجِ الْبَحْر لِشِدَّةِ عِظَمِهَا ، وَكَثْرَة شُيُوعهَا . قَالَ حُذَيْفَةُ: فَأَسْكَتَ الْقَوْمُ سَكَتَ وَأَسْكَتَ لُغَتَانِ بِمَعْنَى صَمَتَ. وَإِنَّمَا سَكَتَ الْقَوْم لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْفَظُونَ هَذَا النَّوْع مِنْ الْفِتْنَة، وَإِنَّمَا حَفِظُوا النَّوْع الْأَوَّل. فَقُلْتُ: أَنَا. قَالَ: أَنْتَ لِلَّهِ أَبُوكَ. كَلِمَة مَدْح تَعْتَاد الْعَرَب الثَّنَاء بِهَا. قَالَ حُذَيْفَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، وَمَعْنَى ( تُعْرَض ) أَنَّهَا تُلْصَق بِعَرْضِ الْقُلُوب أَيْ جَانِبهَا كَمَا يُلْصَق الْحَصِير بِجَنْبِ النَّائِم، وَيُؤَثِّر فِيهِ شِدَّة اِلْتِصَاقهَا بِهِ. وَمَعْنَى ( عُودًا عُودًا ) أَيْ تُعَاد وَتُكَرَّر شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ . وَقَالَ بعض العلماء: (كَالْحَصِيرِ) أَيْ كَمَا يُنْسَج الْحَصِير عُودًا عُودًا وَشَظِيَّة بَعْد أُخْرَى. وَذَلِكَ أَنَّ نَاسِج الْحَصِير عِنْد الْعَرَب كُلَّمَا صَنَعَ عُودًا أَخَذَ آخَر وَنَسَجَهُ فَشَبَّهَ عَرَضَ الْفِتَن عَلَى الْقُلُوب وَاحِدَة بَعْد أُخْرَى بِعَرْضِ قُضْبَان الْحَصِير عَلَى صَانِعهَا وَاحِدًا بَعْد وَاحِد. فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، مَعْنَى ( أُشْرِبَهَا ) دَخَلَتْ فِيهِ دُخُولًا تَامًّا وَأُلْزِمَهَا وَحَلَّتْ مِنْهُ مَحَلّ الشَّرَاب، وَمَعْنَى نُكِتَ نُكْتَة نُقِطَ نُقْطَة وكُلّ نُقْطَة فِي شَيْء بِخِلَافِ لَوْنه فَهُوَ نَكْت. وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، وَمَعْنَى ( أَنْكَرَهَا ) رَدَّهَا. حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ؛ عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، لَيْسَ تَشْبِيهه بِالصَّفَا بَيَانًا لِبَيَاضِهِ لَكِنْ صِفَة أُخْرَى لِشِدَّتِهِ عَلَى عَقْد الْإِيمَان وَسَلَامَته مِنْ الْخَلَل، وَأَنَّ الْفِتَن لَمْ تَلْصَق بِهِ ، وَلَمْ تُؤَثِّر فِيهِ كَالصَّفَا وَهُوَ الْحَجْر الْأَمْلَس الَّذِي لا يَعْلَق بِهِ شَيْء. وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا وَالرُّبْدَة إِنَّمَا هُوَ شَيْء مِنْ بَيَاض يَسِير يُخَالِط السَّوَاد كَلَوْنِ أَكْثَر النَّعَام. كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا وَأَمَّا قَوْله : (مُجَخِّيًا) مَعْنَاهُ مَائِلا، أو مَنْكُوسًا. ولَيْسَ قَوْله كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا تَشْبِيهًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ سَوَاده بَلْ هُوَ وَصْف آخَر مِنْ أَوْصَافه بِأَنَّهُ قُلِبَ وَنُكِّسَ حَتَّى لَا يَعْلَق بِهِ خَيْر وَلَا حِكْمَة. لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ) فمَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ الرَّجُل إِذَا تَبِعَ هَوَاهُ وَارْتَكَبَ الْمَعَاصِي دَخَلَ قَلْبه بِكُلِّ مَعْصِيَة يَتَعَاطَاهَا ظُلْمَة، وَإِذَا صَارَ كَذَلِكَ اُفْتُتِنَ وَزَالَ عَنْهُ نُور الْإِسْلَام. وَالْقَلْب مِثْل الْكُوز فَإِذَا اِنْكَبَّ اِنْصَبَّ مَا فِيهِ وَلَمْ يَدْخُلهُ شَيْء بَعْد ذَلِكَ. قَالَ حُذَيْفَةُ: وَحَدَّثْتُهُ أَنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا يُوشِكُ أَنْ يُكْسَرَ وَمَعْنَاهُ يَقْرُب. قَالَ عُمَرُ: أَكَسْرًا لا أَبَا لَكَ؟ هَذِهِ كَلِمَة تَذْكُرهَا الْعَرَب لِلْحَثِّ عَلَى الشَّيْء. فَلَوْ أَنَّهُ فُتِحَ لَعَلَّهُ كَانَ يُعَادُ. قُلْتُ: لا بَلْ يُكْسَرُ. وَحَدَّثْتُهُ أَنَّ ذَلِكَ الْبَابَ رَجُلٌ يُقْتَلُ أَوْ يَمُوتُ، أَمَّا الرَّجُل الَّذِي يُقْتَل فَقَدْ جَاءَ مُبَيَّنًا فِي الصَّحِيح أَنَّهُ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ، وعُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ كَانَ يَعْلَم أَنَّهُ هُوَ الْبَاب كَمَا جَاءَ مُبَيَّنًا فِي صحِيح البخاري أَنَّ عُمَر كَانَ يَعْلَم مَنْ الْبَاب كَمَا يَعْلَم أَنَّ قَبْل غَد اللَّيْلَة. حَدِيثًا لَيْسَ بِالْأَغَالِيطِ جَمْع أُغْلُوطَة وَهِيَ الَّتِي يُغَالَط بِهَا فَمَعْنَاهُ حَدَّثْته حَدِيثًا صِدْقًا مُحَقَّقًا مِنْ حَدِيث النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
إذاً الفتن ستقع لا محالة، فماذا على المسلم إذا ما وجد الفتنة؟ روى الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه، فمن وجد منها ملجأً أو معاذاً فليعذ به). ستكون فتن إذاً الحديث لا يتكلم عن فتنة واحدة، القاعد والقائم والماشي والساعي تبين تدرج الأدوار التي يقوم بها الناس في الفتنة، وقال بعض العلماء القاعد هو الذي يشاهد فقط دون أن يتدخل أو يشارك في أي شيء، والقائم هو الذي يقف لها مشاركاً، والماشي هو الذي يعمل على إثارتها وإشعال نيرانها، والساعي هو الذي أوجدها وأنشأها من البداية. أي أن المسلم كلما زاد الدور الذي يلعبه في الفتنة زادت الخطورة عليه. من تشرف إليها أي من تطلع إليها، من رأى أهلها فقال أسألهم ماذا يفعلون حتى أعرف ما وجهة نظرهم ، تستشرفه أي تجذبه إليها وتدخله فيها، فالإنسان مجبول على التأثر بمن حوله، أنت لو جلست مع شخص ما وضحك هذا الشخص ستجد نفسك تضحك أو على الأقل تبتسم حتى لو لم تعرف السبب الذي أضحكه، وهكذا من استشرف إليها استشرفته. فمن وجد منها ملجأً أو معاذاً فليعذ به ، معنى ذلك أنك في هذه الحالة مطلوب منك أن تهرب وتفر وتبحث عن ملجأ منها وتعطيها ظهرك بالكلية، وتغلق عنها أذنيك وعينيك تماماً.
وروى الإمام مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا). مَعْنَى الْحَدِيث الْحَثّ عَلَى الْمُبَادَرَة إِلَى الْأَعْمَال الصَّالِحَة قَبْل تَعَذُّرهَا وَالِاشْتِغَال عَنْهَا بِمَا يَحْدُث مِنْ الْفِتَن الشَّاغِلَة الْمُتَكَاثِرَة الْمُتَرَاكِمَة كَتَرَاكُمِ ظَلَام اللَّيْل الْمُظْلِم. وَوَصَفَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَوْعًا مِنْ شَدَائِد تِلْك الْفِتَن، وَهُوَ أَنَّهُ يُمْسِي مُؤْمِنًا ثُمَّ يُصْبِح كَافِرًا أَوْ عَكْسه. شَكَّ الرَّاوِي وَهَذَا لِعِظَمِ الْفِتَن يَنْقَلِب الْإِنْسَان فِي الْيَوْم الْوَاحِد هَذَا الِانْقِلَاب.
هل أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ببعض هذه الفتن التي ستقع؟ بل أخبر بالكثير، وسأذكر لك بعضاً منها. فمثلاً سيكون من هذه الفتن ضياع الأمانة. روى الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثَيْنِ، مَعْنَاهُ : حَدَّثَنَا حَدِيثَيْنِ فِي الْأَمَانَة، وَإِلَّا فَرِوَايَات حُذَيْفَة كَثِيرَة فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرهمَا قَدْ رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا وَأَنَا أَنْتَظِرُ الْآخَرَ، حَدَّثَنَا وهذا هو الحديث الأول: أَنَّ الْأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ أَمَّا (الْجَذْر) فَهُوَ الْأَصْل. وَأَمَّا الْأَمَانَة فَالظَّاهِر أَنَّ الْمُرَاد بِهَا التَّكْلِيف الَّذِي كَلَّفَ اللَّه تَعَالَى بِهِ عِبَاده وَالْعَهْد الَّذِي أَخَذَهُ عَلَيْهِمْ. وَقِيلَ هُوَ الدِّين، وَالدِّين كُلّه أَمَانَة . والْأَمَانَة فِي الْحَدِيث هِيَ الْأَمَانَة الْمَذْكُورَة فِي قَوْله تَعَالَى : { إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَة } وَهِيَ عَيْن الْإِيمَان فَإِذَا اِسْتَمْكَنَتْ الْأَمَانَة مِنْ قَلْب الْعَبْد قَامَ حِينَئِذٍ بِأَدَاءِ التَّكَالِيف ، وَاغْتَنَمَ مَا يَرِد عَلَيْهِ مِنْهَا وَجَدَّ فِي إِقَامَتهَا وَاَللَّه أَعْلَم . ثُمَّ نَزَلَ الْقُرْآنُ فَعَلِمُوا مِنْ الْقُرْآنِ وَعَلِمُوا مِنْ السُّنَّةِ. ثُمَّ حَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِ الْأَمَانَةِ، هذا هو الحديث الثاني الذي لم يره حذيفة قَالَ: (يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الْأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ، فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ الْوَكْتِ، وَهُوَ الْأَثَر الْيَسِير أو هُوَ سَوَاد يَسِير، وَقِيلَ : هُوَ لَوْن يَحْدُث مُخَالِفٌ لِلَّوْنِ الَّذِي كَانَ قَبْله. ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الْأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ الْمَجْلِ، الْمَجْل هُوَ التَّنَفُّط الَّذِي يَصِير فِي الْيَد مِنْ الْعَمَل بِفَأْسٍ أَوْ نَحْوهَا وَيَصِير كَالْقُبَّةِ فِيهِ مَاء قَلِيل، كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ فَنَفِطَ فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا وَمُنْتَبِرًا مُرْتَفِعًا وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ أَخَذَ حَصًى فَدَحْرَجَهُ عَلَى رِجْلِهِ، وَأَخْذه الْحَصَاة وَدَحْرَجَتِهِ إِيَّاهَا أَرَادَ بِهَا زِيَادَة الْبَيَان وَإِيضَاح الْمَذْكُور فَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ لا يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الْأَمَانَةَ حَتَّى يُقَالَ: إِنَّ فِي بَنِي فُلانٍ رَجُلا أَمِينًا، حَتَّى يُقَالَ لِلرَّجُلِ: مَا أَجْلَدَهُ مَا أَظْرَفَهُ مَا أَعْقَلَهُ، وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ). وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ زَمَانٌ وَمَا أُبَالِي أَيَّكُمْ بَايَعْتُ لَئِنْ كَانَ مُسْلِمًا لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ دِينُهُ وَلَئِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا أَوْ يَهُودِيًّا لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ وَأَمَّا الْيَوْمَ فَمَا كُنْتُ لِأُبَايِعَ مِنْكُمْ إِلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا. فَمَعْنَى الْمُبَايَعَة هُنَا الْبَيْع وَالشِّرَاء الْمَعْرُوفَانِ. وَمُرَاده أَنِّي كُنْت أَعْلَم أَنَّ الْأَمَانَة لَمْ تَرْتَفِع، وَأَنَّ فِي النَّاس وَفَاء بِالْعُهُودِ، فَكُنْت أُقْدِمُ عَلَى مُبَايَعَة مَنْ اِتَّفَقَ غَيْر بَاحِث عَنْ حَاله وُثُوقًا بِالنَّاسِ وَأَمَانَتهمْ ؛ فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ مُسْلِمًا فَدِينه وَأَمَانَته تَمْنَعهُ مِنْ الْخِيَانَة وَتَحْمِلهُ عَلَى أَدَاء الْأَمَانَة، وَإِنْ كَانَ كَافِرًا فَسَاعِيه وَهُوَ الْوَالِي عَلَيْهِ كَانَ أَيْضًا يَقُوم بِالْأَمَانَةِ فِي وِلَايَته فَيَسْتَخْرِج حَقِّي مِنْهُ، وَأَمَّا الْيَوْم فَقَدْ ذَهَبَتْ الْأَمَانَة فَمَا بَقِيَ لِي وُثُوق بِمَنْ أُبَايِعهُ، وَلَا بِالسَّاعِي فِي أَدَائِهِمَا الْأَمَانَة ، (فَمَا أُبَايِع إِلَّا فُلَانًا) وَفُلَانًا يَعْنِي أَفْرَادًا مِنْ النَّاس أَعْرِفهُمْ وَأَثِق بِهِمْ.
روى الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أَنَسٌ قَالَ: لَأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا لَا يُحَدِّثُكُمُوهُ أَحَدٌ بَعْدِي سَمِعْتُهُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ وَإِمَّا قَالَ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أيْ : عَلَامَاتهَا كَمَا ومِنْهَا مَا يَكُون مِنْ قَبِيل الْمُعْتَاد، وَمِنْهَا مَا يَكُون خَارِقًا لِلْعَادَةِ كخروج الشمس من مغربها. أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ وَالْمُرَاد بِرَفْعِهِ مَوْت حَمَلَته وَيَظْهَرَ الْجَهْلُ أي يشيع وينتشر. وَيُشْرَبَ الْخَمْرُ وَالْمُرَاد كَثْرَة ذَلِكَ وَاشْتِهَاره. وَيَظْهَرَ الزِّنَا أَيْ : يَفْشُو وينتشر. وَيَقِلَّ الرِّجَالُ وَيَكْثُرَ النِّسَاءُ حَتَّى يَكُونَ لِلْخَمْسِينَ امْرَأَةً الْقَيِّمُ الْوَاحِدُ) قِيلَ سَبَبه أَنَّ الْفِتَن تَكْثُر فَيَكْثُر الْقَتْل فِي الرِّجَال لِأَنَّهُمْ أَهْل الْحَرْب دُون النِّسَاء. وَالظَّاهِر أَنَّهَا عَلَامَة مَحْضَة لَا لِسَبَبٍ آخَر، بَلْ يُقَدِّر اللَّه فِي آخِر الزَّمَان أَنْ يَقِلّ مَنْ يُولَد مِنْ الذُّكُور وَيَكْثُر مَنْ يُولَد مِنْ الْإِنَاث. وَقَوْله : "لِخَمْسِينَ" يَحْتَمِل أَنْ يُرَاد بِهِ حَقِيقَة هَذَا الْعَدَد، أَوْ يَكُون مَجَازًا عَنْ الْكَثْرَة. وقَوْله : (الْقَيِّم) أَيْ الَّذِي يَقُوم بِأُمُورِهِنَّ ، وَيَحْتَمِل أَنْ يُكَنَّى بِهِ عَنْ اِتِّبَاعهنَّ لَهُ لِطَلَبِ النِّكَاح حَلَالًا أَوْ حَرَامًا ، وعن كيفية رفع العلم روى الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا).
من الأمور التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم أنها ستقع قبل يوم القيامة أنه سيكون هناك أناس يتجرءون على شرع الله، فيستحلون ما حرم الله، روى الإمام البخاري في صحيحه عن أَبي عَامِرٍ الأَشْعَرِىُّ وَاللَّهِ مَا كَذَبَنِى سَمِعَ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم – يَقُولُ: « لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِى أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَهُوَ الْفَرْج يعني أنهم يستحلون الزنا، وقوله يستحلون يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمَعْنَى يَعْتَقِدُونَ ذَلِكَ حَلَالًا ، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ مَجَازًا عَلَى الِاسْتِرْسَال أَيْ يَسْتَرْسِلُونَ فِي فعلهَا كَالِاسْتِرْسَالِ فِي الْحَلَال ، وَالْحَرِيرَ فكما نعلم أن لبس الحرير محرم على الرجال إلا لعذر، وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ، جَمْع مِعْزَفَة وَهِيَ آلَات الْمَلَاهِي، وقيل أَنَّ الْمَعَازِف الْغِنَاء،وقيل الْمَعَازِف الدُّفُوف وَغَيْرهَا مِمَّا يُضْرَب بِهِ ، وَيُطْلَق عَلَى الْغِنَاء عَزْف. وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَامٌ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ وَهُوَ الْجَبَل الْعَالِي وَقِيلَ : رَأْس الْجَبَل . يَرُوحُ عَلَيْهِمْ بِسَارِحَةٍ لَهُمْ، وَهُوَ الرَّاعِي بِقَرِينَةِ الْمَقَام ، إِذْ السَّارِحَة لَا بُدَّ لَهَا مِنْ حَافِظ . قَوْله: (بِسَارِحَةٍ)
الْمَاشِيَة الَّتِي تَسْرَح بِالْغَدَاةِ إِلَى رَعْيهَا وَتَرُوح أَيْ تَرْجِع بِالْعَشِيِّ إِلَى مَأْلَفهَا. يَأْتِيهِمْ - يَعْنِى الْفَقِيرَ - لِحَاجَةٍ فَيَقُولُوا ارْجِعْ إِلَيْنَا غَدًا . فَيُبَيِّتُهُمُ اللَّهُ أَيْ يُهْلِكهُمْ لَيْلًا ، وَالْبَيَاتُ هُجُوم الْعَدُوّ لَيْلا. وَيَضَعُ الْعَلَمَ، أَيْ يُوقِعهُ عَلَيْهِمْ، إِنْ كَانَ الْعَلَم جَبَلًا فَيُدَكْدِكهُ وَإِنْ كَانَ بِنَاء فَيَهْدِمهُ وَنَحْو ذَلِكَ وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ » . يُرِيد مِمَّنْ لَمْ يُهْلِك فِي الْبَيَات الْمَذْكُور، يَحْتَمِل الْحَقِيقَة كَمَا وَقَعَ لِلْأُمَمِ السَّالِفَة ، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون كِنَايَة عَنْ تَبَدُّل أَخْلَاقهمْ . وَفِي هَذَا الْحَدِيث وَعِيد شَدِيد عَلَى مَنْ يَتَحَيَّل فِي تَحْلِيل مَا يَحْرُم بِتَغْيِيرِ اِسْمه، وَأَنَّ الْحُكْم يَدُور مَعَ الْعِلَّة . وَالْعِلَّة فِي تَحْرِيم الْخَمْر الْإِسْكَار ، فَمَهْمَا وُجِدَ الْإِسْكَار وُجِدَ التَّحْرِيم وَلَوْ لَمْ يَسْتَمِرّ الِاسْم. وهُوَ أَصْل فِي أَنَّ الْأَحْكَام إِنَّمَا تَتَعَلَّق بِمَعَانِي الْأَسْمَاء لَا بِأَلْقَابِهَا.
رَوى الإمام أحمد بإسناد صحيح عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: (بَيْنَمَا نَحْنُ حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ ذَكَرُوا الْفِتْنَةَ أَوْ ذُكِرَتْ عِنْدَهُ قَالَ: إِذَا رَأَيْتَ النَّاسَ قَدْ مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ وَخَفَّتْ أَمَانَاتُهُمْ وَكَانُوا هَكَذَا وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. قَالَ: فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُ: كَيْفَ أَفْعَلُ عِنْدَ ذَلِكَ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ؟ قَالَ: الْزَمْ بَيْتَكَ وَامْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ وَخُذْ مَا تَعْرِفُ وَدَعْ مَا تُنْكِرُ وَعَلَيْكَ بِأَمْرِ خَاصَّةِ نَفْسِكَ وَدَعْ عَنْكَ أَمْرَ الْعَامَّةِ).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://3erfan.ibda3.org
 
010- التحذير من الفتن
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الأستاذ : أيمن عرفان :: خطب ودروس الأستاذ أيمن عرفان :: خطبة الجمعة-
انتقل الى: